الخطيب الشربيني
625
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
التكذيب بطغيانها كما تقول : ظلمني بجراءته على الله تعالى . وقيل : كذبت بما أوعدت به من عذاب ذي الطغوى كقوله تعالى : فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ [ الحاقة : 5 ] . إِذِ ، أي : تحقق تكذيبهم أو طغيانهم بالفعل حين انْبَعَثَ أَشْقاها ، أي : قام وأسرع وذلك أنهم لما كذبوا بالعذاب ، وكذبوا صالحا عليه السلام انبعث أشقى القوم وهو قدار بن سالف وكان رجلا أشقر أزرق قصيرا فعقر الناقة ، وعن عبد الله بن زمعة أنه سمع النبيّ صلى اللّه عليه وسلم يخطب فذكر الناقة والذي عقرها فقال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم : « إِذِ انْبَعَثَ أَشْقاها انبعث لها رجل عزيز عارم متبع في أهله مثل أبي زمعة » « 1 » . وقوله : عارم ، أي : شديد ممتنع . قال الزمخشري : ويجوز أن يكونوا جماعة . والتوحيد لتسويتك في أفعل التفضيل إذا أضفته بين الواحد والجمع والمذكر والمؤنث . تنبيه : إذ منصوب بكذبت أو بطغواها . فَقالَ لَهُمْ ، أي : بسبب الانبعاث أو التكذيب الذي دل على قصدهم لها بالأذى رَسُولُ اللَّهِ ، أي : صالح عليه السلام ، وعبر بالرسول لأنّ وظيفته الإبلاغ والتحذير الذي ذكر هنا ، ولذلك قال تعالى مشيرا بحذف العامل إلى ضيق الحال عن ذكره لعظم الهول وسرعة التعذيب عند مسها بالأذى . وزاد في التعظيم بإعادة الجلالة ناقَةَ اللَّهِ ، أي : الملك الأعظم الذي له الأمر كله ، وهي منصوبة على التحذير كقولك : الأسد الأسد ، والصبي الصبي بإضمار اتقوا أو احذروا ناقة الله . وَسُقْياها ، أي : وشربها في يومها ، وكان لها يوم ولهم يوم ؛ لأنهم لما اقترحوا الناقة فأخرجها لهم من الصخرة جعل لهم شرب يوم من بئرهم ، ولها شرب يوم فشق عليهم . وإضافة الناقة إلى الله تعالى إضافة تشريف كبيت الله . فَكَذَّبُوهُ ، أي : صالحا عليه السلام بطغيانهم في وعيدهم بالعذاب فَعَقَرُوها ، أي : عقرها الأشقى بسبب ذلك التكذيب ، وأضيف إلى الكل ؛ لأنهم رضوا بفعله ، وإن كان العاقر جماعة فواضح . وقال قتادة : بلغنا أنه لم يعقرها حتى تابعه صغيرهم وكبيرهم وذكرهم وأنثاهم . وقال الفرّاء : عقرها اثنان ، والعرب تقول : هذان أفضل الناس وهذان خير الناس ، وهذه المرأة أشقى القوم ولهذا لم يقل أشقياها . فَدَمْدَمَ أي فأطبق عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ ، أي : الذي أحسن إليهم فغمرهم إحسانه فقطعه عنهم بسبب تكذيبهم فأهلكهم وأطبق عليهم العذاب ، يقال : دمدمت عليه القبر أطبقته عليه بِذَنْبِهِمْ ، أي : بسبب كفرهم وتكذيبهم وعقرهم الناقة . وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما : فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ ، أي : بجرمهم . وقال القشيري : وقيل : دمدمت على الميت التراب ، أي : سوّيته عليه . فالمعنى على هذا : فجعلهم تحت التراب ، فَسَوَّاها ، أي : فسوّى عليهم الأرض فجعلهم تحت التراب وعلى الأوّل فسوّى الدمدمة عليهم ، أي : عمهم بها فلم يفلت منهم أحدا . وقرأ وَلا يَخافُ نافع وابن عامر بالفاء ، والباقون بالواو فالفاء تقتضي التعقيب ، والواو يجوز أن تكون للحال ، وأن تكون للاستئناف الإخباري . وضمير الفاعل في يخاف الأظهر عوده على الله تعالى ؛ لأنه أقرب مذكور ، وهو قول ابن عباس ، ويؤيده قراءة الفاء المسببة عن الدمدمة والتسوية والهاء في قوله تعالى : عُقْباها ترجع إلى الفعلة ، وذلك لأنه تعالى يفعل ذلك بحقّ .
--> ( 1 ) انظر القرطبي في تفسيره 7 / 241 .